الجمعة، 15 يونيو 2012

التركه - سحر النحاس



التــــــ✿التـركـــــــه ✿بقلمـى شــروق❀❀ـــركه 



فى صالة المزاد كل شىء يباع الاثاث القديم التحف والأنتيك, الساعات الاثريه, النجف الكريستال 
كل شىء قابل للتفاوض تراث الاجيال والتاريخ القديم لم يجد من ينقذه من الضياع
ونخاس القيم والنفائس " تاجر" لا يختلف كثيرا عن 
تجار الرقيق او العبيد فالكل لديه بضاعه معروضه تترجم لقيمه ماليه 
فى سوق خال من العواطف الانسانيه
فى صاله العرض تتم المساومه على مقتنيات الأسر العريقه التى تعسر حالها واخنى عليها الزمان .
الماضى والتاريخ يباع بأرخص الاسعار 
ومين يزود........
وتحت ناقوس المزايده 
تتعالى اصوات المشترين بنهم , وهم يقتنصون الفرائس للايقاع بالنفائس والفريد بأقل الاثمان 
حتى يرسوا المزاد على اعلى مزايد 
✿التـركـــــــه ✿بقلمـى شــروق❀❀✿التـركـــــــه ✿بقلمـى شــروق❀❀✿التـركـــــــه ✿بقلمـى شــروق❀❀
الا اونه الا دووى الا تريه ....

...
........مبرووك عليك!!

وهكذا فى لمح البصر تنتقل ملكيه مقتنيات تحمل ذاكره وماضى قد تكون ذات ذكرى غاليه على القلب او قيمه معنويه لشخص 
او هديه عزيزه او اثر قديم منذ عهود 
بعيده توارثته اجيال الى اشخاص لا ينتمون الى تلك المقتنيات
سوى حب الامتلاك او هوايه اقتناء التحف 


وهكذا يتم معاوده الكره مع التالى ....
مين يشترى ساعه ابنوس، يالا سرير الملكه اوجينى طقم فضه, سجاده شينواه يدوى, فازه مذهبه موقعه ,تابلوه ,كرسى 
طبق كريستال بوهيمى من عهد الملك قلاووووو....... 
بلا قلب وبلا هواده وتحت سيف الحوجه يسود قانون الغاب البقاء للاقوى 
والسلطه للقادر
والنفوذ لسطوه المال 
يباع الماضى والذكريات
.............................................. 
فى أجواء حزينه قاتمه اجتمعت الاسره المكونه من اثنين من البنين واربعه من البنات
حول جثمان الوالده حيث يتم تشيعها الى
مثواها الاخير
والدموع تتساقط بحراره على فقد الحبيبه الغاليه بعد صراع مع مرض قصير اودى بحياتها
تمت مراسم الدفن وعادوا يتحاملون للبيت الكبير الذى طالما جمعهم حول مائده واحده فى الاعياد
وايام الجمعه
من كل اسبوع حيث اعتادوا ان يتلاقى الاخوه والاخوات
واولادهم وازواجهم وزوجاتهم لقاء يوم ممتع دافىء يتسامرون يتضاحكون وتقوم الوالده باعداد ما لذ وطاب
من انواع الطعم الشهى
وحتى بعد ان توفى الوالد ظلت الاسره على نفس النمط المعتاد من التجمع الاسرى واللقاء الاسبوعى
ظلت الاسره تتلاقى لعده اشهر ثم بعدها ابتدأ انشغال البعض وتاخر البعض عن الحضور بانتظام
تحجج بعضهم بانشغاله مع الاولاد وتوالت الحجج حتى بات الامر الطبيعى هو عدم الحضور
واجتماع الاسره واكتفى الحال بالسؤال احيانا بالهاتف
او الاطمئنان عبر المحمول من حين لاخر
وظلت شقه العائله مغلقه لاشهر عديده اللهم الا مرات قليله كانت تقوم فيها احدى البنات
باخذ خادمتها لتهويه الشقه او تنظيفها من الاتربه نتيجه الغلق الطويل
مرت الاعوام الواحد تلو الاخر انقضت ايام التلاقى الاسريه واصبحت من الماضى الذى يهاجم الذاكره احيانا فنتذكره ونتحسر على الايام الجميله والذكريات القديمه والاحاديث والدفىء والترابط و......
وتنقضى نوبه انتعاشه الذاكره لتعود ادراجها وتتدور عجله الايام سريعه متلاحقه كل يوم باحداث وانشغالات وتظل الشقه المغلقه تحمل داخل جدرانها اصوات الماضى كم كانت عامره صاخبه تملاءها الحياه فيها ولد الصغار وفيها اقيمت الافراح وعلى منضدتها اجتمع الصغار والكبار على اشهى المأكولات
اعواما صار الصغار شباباً والكبار ازدادو شيبا وخطت الايام علامات على جباههم وانسجتهم وارواحهم الهرمه

جاء احد المشترين يرغب فى شراء الشقه المغلقه وعرض مبلغا من المال مغرى فقرر الابناء اتمام البيعه واقتسام الثمن بينهم حسب وصايا التركه
بقى التخلص من مقتياتها من الاثاث والنجف والتحف ....فقدكتنت الشقه عامره بالاثاث القيم والسجاجيد الفاخره الاصليه والتحف والثريات كما احتوى دولاب الهدايا والفضيات المذهب على العديد من المشغولات الفنيه الثمينه
عرضت احدى البنات ان تقسم المقتنيات بالتساوى حيث يمكنهم الاحتفاظ بتراث العائله العريقه ومقتنياتهاالثمينه
لكن سرعان ما ظهر الخلاف بين الاخوات
حيث تصارع كل منهم على اقتناء الاغلى والاقيم
وتدخلت زوجات الابناء انا زوجه الابن الاكبر انا احق لتتدخل الابنه بل نحن بناتها وهذا ميراث ابينا وامنا
وتطورت الاحداث منبأه بقدوم عاصفه قد تقتلع جذور الموده والتأخى
فانطلق الاخ الكبير بقرار بيع جميع المقتنيات وتقسيم الاموال بما شرع الله أحقاقا للحق وتهدئه للاجواء الملتهبه وحفاظا على الروابط الاسريه واجلال
لذكرى الفقيده الغاليه

فى صباح اليوم التالى قام الاخ الكبير بالاتصال بأحد التجار المتخصصين فى شراء المقتنيات القديمه والتى يمكن تثمينها
بما تستحقه ماديا طبقا لندرتها وقيمتها التراثيه

جاء التاجر ومعه فريق من الخبراء المتخصصين فى فرز وتثمين التحف والاثريات
بدا التهافت والانبهار فى عيون هؤلاء كلما التقفوا قطعه فى يدهم راحوا يقلبوها ذات اليمين وذات الشمال 

الساعه الابنوس على الحائط كانت خاصه جدى قد اتى بيها من مزاد من قصر باشا كبير 
تلك النجفه المحفوره من الفضه الخالصه يعلوها طبق نصف دائرى من الكريستال الاصلى المشطوف كأنه لؤلؤه ماسيه تعكس الوان الطيف عن انهعاس الضوء المتساقط عليها من مصدر الضوء

ذاك الابريق الذى كانت تعتز به جدتى والمصنوع من الفخار الصينى الازرق وعليه النقوس الصينيه الرائعه
مع طقم الشاى الرائع
ياإلهى هذا التمثال الذى كنت أحبه وانا صغيره كان يشعرنى بالدفء والحنان فهو منحوت على هيئه سيده راقيه ترتدى زيا من ازياء ملوك القرن الماضى وهى تحمل فى يدها وليدا صغيرا تحتضنه بمنتهى الحنان 

أنتقل الرجال لدولاب الفضيات الملىء بأطقم القهوه الاوبال ذات التلبيسه المشغوله بالفضه وأطقم ادوات المائده من ملاعق شوك وسكاكين من النيكل الخالص المطعم بالذهب بعلبته
ذات الادراج المتعدده من الابنوس البندقى مكسوه بالمخمل القرمزى
المزهريات ذات النقوش البارزه من الفضه التى كانت تدشن بيها قاعات استقبال الضيوف كانت جدتى دائما وبشكل اسبوعى تجمع تلك المزهريات وتجلس على الشازلونج الخاص بيها فى حجرتها وتقوم بتلميع الفضيات ولا تتركها حتى
تتلاءلاء ببريق رائع
جاء دور تلك الاريكه التى طالما جلست عليها وقضيت اوقاتا طويله انا واطفال عائلتنا نلعب ونمرح ونقفز فوقها حتى تأتى الينا احدى امهاتنا لتصرخ فى وجهنا اجلسوا بهدوء جدكم نائم بالغرفه المجاوره ونظل نهمس ونلعب بهدوء مصطنع ثم ننفجر ضحكا وتتعالى اصواتنا اكثر من الاول
انسابت من عينى دمعه وانا انلقى النظره الاخيره على تلك الاريكه بعدما قام الشيالين برفعها من على الارض ومضوا بيها للخارج
اخذت انظر اليها نظره مودع وانا اتفقد ارجاء المكان بلهفه وجنون وكأنى أختزن فى ذاكرتى اكبر قدر من الصور قبل
ان تنقضى الى الابد
وراحت الشقه تفرغ الواحده تلو الاخرى والتجار يتهافتون على مقتنيات المكان بعبون خبيره ويقيمون البضاعه
وتثمن وتتم المبادله
هذا الطبق كنت احبه وذاك الكونسول المذهب الكبير الذى يعلوه مجسم لتمساح ضخم او طائر خرافى مجنح
تكسوه مرأه فاخره من الزجاج البلجيكى ذات النقوش الخلابه بقاعدته الرخاميه العريقه المعرقه بخطوط ورديه مبهره
تلك الستاره من الكورشيه كانت جدتى قد نسجتها بيدها وكلما كانت تقوم بنزعها لتنظيفها وكيها
كنت اقف معها وهى تقوم بتعليقها امام الشرفه الكبيره وهى تنادينى ناولينى يا ابنتى ستاره عناقيد العنب
وكنت أتعجب بسخريه وانا لا اقدر تلك الاتحوفه التى بين يدى فكانت تجلس بجوارى
وهى تمسك بفخر الستاره وتقول لى تلك من عمل يدى وقد استغرقت وقتنا طويلا حتى انجزتها
فهى غاليه عندى ثم تجلس على الكرسى الفوتيل المجاور لتصلى
بعدها تمد يدها على السبحه الكهرمان المعلقه بجوار المقعد لتسبح عليها

سبوح قدوس سبوح قدوس
يالهى لقد التقطها ذالك الرجل القصير الذى يدور فى المكان بحثا عن كل ثمين
اخها بين يديه وراح يتفحصها بنهم صائحا
انها كهرمان طبيعى سادفع فيها ........
 
يالله كل تلك النقود لتلك السبحه التى كنا نلعب بيها ونمشى بيها فى الظلام لتضىء فى ايدينا لنتلقفها بين ايدينا الصغيره
الواحد تلو الآخر بسعاده ومرح ونحن نتعجب احدفلى السبحه المنوره لتأتى جدتنا تعنفنا خوفا من ان تفرط على الارض
لقد دسها فى جيبه بعد اضافتها للبيعه واختفت من ناظرى للابد كدت اصرخ فيه من انت حتى تسرق ممتلكاتنا
ولكنى عجزت عن الكلام
لقد كانت مقتنيات العائله اما الان قد اصبحت تركه
لابد ان تقسم او تباع لتتحول الى شىء قابل للتداول
انحسر قلبى وانا ارى كل شىء يباع

كل تاريخ الايام يمضى بلا رجعه
كل قطعه اثاث فى هذا المكان كل اتحوفه او مفروشات لها رصيد فى ذاكرتى تمنيت وقتها لو أملك المال لاهبه لهم
لاحتفظ انا بتلك الاشياء الثمينه على نفسى وقلبى وعقلى ووجدانى
والتى تتجاوز القيمه الماليه والنقديه
الى قيم معنويه وتراث عائله وتاريخ وهويه
ايام من العمر مضت شكلت وجدان وكينونه من احتوها واقتناها
وحافظ عليها طيله العمر
قفز فى خاطرى سؤال غريب وقتها
هلى تلك الاشياء والمقتنيات اغلى من الاناس الذين كانوا يسكنوها او يمتلكوها 
هل حزنى العميق وانا ارى انتقال ملكيتها الى غرباء لا ينتمون اليها ويتعاملون معها على انها صفقه رابحه
وربح وفير سوف يتم المقايضه عليها لمن يدفع فيها اكثر او لهواه جمع التحف او من عندهم هوس اقتناء كل ما هو اثرى

انا الوحيده التى يربطنى بهذه الجمادات علاقه وثيقه فهى جزء من تاريخى وتاريخ عائلتى فيها ايام مضت
وذكريات عمر طفوله وشباب
اخذت افكر هل هى اغلى من احبتى اللذين فقدتهم
وحصلت على الاجابه بالطبع لا,,,,
انما معزه الاشياء وارتباط الانسان بيها لانها تمثل علاقه ماديه ملموسه فانااستطيع انا المسها اتفحصها
امرر يدى عليها فتنساب الذكرى بين يدى فأرها امام عينى صور مجسمه وكأننى بالذكرى استرجع الماضى
عندما فقدنا الغالين لم نتمكن من الاحتفاظ بهم فظلت ذكراهم مرهونه باشياءهم ومقتنياتهم كلما اخذنا الحنين اليهم تفقدنها وقد
انتقل الينا عبق الماضى فى عالمهم القديم ممثلا باشيائهم
فتتطوف الذكرى فى ابدننا فنعيش الماضى 

انقضى اليوم وجاء المساء
وقد فرغت الشقه تماما من محتوياتها
ونظرت حولى فلم اعرف المكان
اصبحت الجدران خاليه والحجرات خاويه
فرغ العالم من حولى تفقدت اركان البيت وانا اشاهده لاول مره فى حياتى
فارغ بدون اثاث بدون تاريخ بدون ماضى او ذكريات
مجرد جدران بارده صماء خرساء وفراغ يحيط بى من كل جانب
اشعر بقشعريره ووحشه تجتاحنى
كاننى فى قبر موحش
لقد تغير المكان فجأه فلم يعد شقتنا القديمه الدافئه ولم اشعر باى انتماء لم يعد بيتى ولا بيت اسرتى
لم يعد هناك ما يربطنى به كما لم يعد لوجودى اى داع شعرت باختناق رهيب يجتاحنى يضغط على انفاسى
فالهواء هنا لا يناسبى واصداء الصوت فى الفراغ ازعجتنى ....أفزعتنى
يالهى انى أختنق ....... لملمت بعضى وانسلخت بسرعه من المكان........بعد ان انفض المزاد
وانفضت التركه 
تمت

                                                سحر النحاس 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق