الجمعة، 15 يونيو 2012

قــلب آلاخـــــر - سحر النحاس




انها احدى ليالى الشتاء البارده حيث المطر ينهمر بغزاره على زجاج النافذه وضوء

المصباح الخافت يشق ظلام الغرفه بينما دقات الساعه ترتل دقات رتيبه ومتثاقله لتعلن

انها الثانيه صباحا بعد منتصف الليل وفى احدى اركان الغرفه بالمستشفى كان يرقد

الشاب " احمد"على سريره بجسد متهاو وانفاس متلاحقه وامه ترمقه بعين مرتعبه

تراقص فيها الدمع على مقلتيها وهى تنظر تاره له وتاره اخرى على ذلك الجهاز المعلق

بالحجره حيث ينبعث برنين خافت بنبضات قلب ولدها ووحيدها وقلبها يخفق مع خفقان

قلبه الضعيف كانما هى قيثاره دمع تعزف لحنا ينساب الما ويأسا وهو يتخافت ويضعف

شيئا فشيئا وهى تبتهل الى الله لو يأخذ الله من عمرها ويمده الي قلبه المهزوم


...وفى الغرفه المقابله لهما

وفى سكون كانت االشابه الجميله "صفاء" تتطلع فى رقه وعذوبه بنظرات حانيه

يعتصرها الآلم ويملآها الحنين الى عينى حبيبها وزوجها الراقد امامها وهو يعانى من

الالام مبرحه فى كل انحاء جسده نتيجه تصادم مروع حدث له اثناء عودته اليها بعد يوم

عمل شاق وقد كانت تنظر الى عينيه الشبه غائبه عن الوعى وكانما هى تستحلفه ان

يبقى من اجلها وهى تضم يده بين كفيها وبرغم شده الآلآمه كان قلبه يدق بقوه كأنما

يصارع الموت .. يقهره .. يتشبث بالحياه وكانه يقول لها من خلال دقات قلبه الاهثه ..

لاتخافى ياحبيبتى سوف احيا من اجلك ..سوف ابقى ..سوف اعود وعيناها ثابته على

جهاز القلب المعلق امامهاوالخوف يحتويها ويلفها بعباءته الثقيله وبصيص من امل ينفذ

اليها وهى تبتهل لله وتدعوا ...

وتمر اللحظات الثقال حتى يشق جدار الصمت رنين جهاز القلب منبئا بالخطروتهرع

الممرضات للغرفه وفى نفس الوقت يرتفع الرنين فى الغرفه المقابله معلنا عصيانه هو

الاخر وتسود حاله من الاضطراب والفوضى وتسرع بعض الممرضات للغرفه المقابله

فقد توقف قلب المريض الاول اما الآخر فكان يعانى من انخفاض حاد فى وظائف المخ ويسارع الاطباء لغرفه العمليات وتضاء الاضواء الكاشفه

وتغلق الابواب الحديديه الضخمه وتعج الغرفه بالالات والمعدات الطبيه وفريق الاطباء

يصارعون الموت وهم فى حيره من امرهم هذا رجل يتهاوى قلبه من كثره اليأس

والآخر يصارع الجروح والآلآم من اجل البقاء

وتمر اللحظات وتفارق الحياه ذلك الزوج متأثرا بكثره جراحه ... بينما قلب الآخر يخبو

ويخبو.. حتى قارب على التلاشى وفجأه .. قرر الاطباء أجراء جراحه عاجله بنقل قلب

للمتوفى حديثا لذلك الآخر الذى كان يعانى من قلب مريض منذ ولادته وبسرعه هرع

كبير الاطباء لغرفته واستدعى والد الزوج وابلغه بنبأ الوفاه واخذ يواسيه ثم طلب منه

الاذن والسماح له بنقل قلب ولده لانقاذ مريض آخر حياته على وشك الانتهاء وبرغم

صعوبه القرار والصراع النفسى المؤلم الا ان صوت الضميروالايمان بقضاء الله دفعه

للموافقه على طلب الطبيب وهو يرجوا ان يكون ذلك فى ميزان حسنات ابنه وان يكون

اخر اعماله انقاذ حياه انسان بائس عاش حياته

فى سلسله متلاحقه من المرض والانهزام

وانطلق الطبيب لغرفه العمليات وامرببدءالاجرءات واتخاذ كل الاستعدادات وتأهب فريق

الاطباء والممرضين وقد تحولت الغرفه الى ما اشبه خليه النحل اصوات تعلو وتخبو

..تحاليل وعينات.. وكأنهم يسابقوا الزمن ومرت الساعات الطويله وانفاسهم لاهثه


..وبينما هم كذلك كانت طرقات المستشفى خاويه وبارده وكئيبه حيث كانت الام

تجلس تنتظر فى ترقب وقلبها ينفطر على وحيدها والوقت يمر كأنه الدهر .. وهى تجتر

الماضى البعيد ..حيث كان طفلا صغيرا كلما اراد ان يلهو مع قرنائه يجرى ويلعب كانت

امه تمنعه لخوفها على قلبه الضعيف وكلما طلب منه اصدقائه اللعب او ركوب الدراجه

كان ينطق بعينيه الحزينه ونبرات صوته تهمس بالاسى

"الدكتور قال لى ماتلعبش علشان قلبك ضعيف" وتمر الايام ويكبر احمد وتكبر معه

عقده الخوف من الموت وقد صار يافعا وانهى دراسته والتحق بالعمل الا انه كان يتجنب

الاندماج مع من حوله يفضل الانطواء على نفسه حتى اصدقائه فقد بدأ بتجنبهم فقد

كان لكل منهم قصه مع فتاه او حلم فى زواج واولاد أما هو فقد كان يعرف مسبقا

ان لا امل ولا حلم له وحتى مجرد التفكير ان يكون له بيت وزوجة ..

وازداد الآمر سوء مع انطوائه على نفسه حيث اليأس اواتجه الى المخدر

كى يهرب من عالمه البائس حيث الموت ..وكان ما يشقيه هو ما يعتصر قلب امه المسكينه الحزينه ..

وبينما كان الدمع ينساب على وجنتيها يحرقها من لوعته نظرت امامها لترى تلك الشابه

الجميله وهى فى مقتبل العمر ووجهها الصبوح يعلوه القلق ويكسوه الخوف والفزع

وقد اغرورقت عيناها بدمع ينساب بصمت واسى ... واقتربت الآم من الفتاه وبقلب الام

اخذت تربت على كتفيها وتحنو عليها وتواسها

"ان شاء الله خير يابنيتى الله معنا"....

وبدأ النهار يشق طريقه عبر غبار الليل فى طرقات المستشفى ونور الصباح ينتشر

على استحياء ليمحى الظلمه شيئا فشيئا. والاثنتان الام والزوجه الشابه عيناهما

معلقتان على باب حجره العمليات الحديدى وكأن روحهما عالقتان بما وراء ذلك الباب

المعدنى الاصم. .. وينفتح الباب حيث الاطباء يخرجون الواحد تلو الآخر وقد اعتلاهم

التعب واخد منهم الاعياء مأخذه وهم يتخافتون ويتهامسون

فيما بينهم عن تلكم الليله المشحونه بالاحداث ...

وهرعت الام وهرعت الزوجةتتهافتان علىا لاطباء تتلمسان منهما ما يشفى صدورهما

وما يسكن روحهما..تردد كبير الاطباء فيما سيبلغه للزوجه الشابه وكان يشفق عليها

من هول ما هو مضطر لابلاغها اياه ..

فقرر ان يعلمها مدى اصرار زوجها على البقاء حيا ومقاومه قلبه واصراره على البقاء

رغم انهيار جسده نتيجه جروحه الخطيره التى اودت بحياته .وانهارت الزوجه واغشى

عليها وسقطت بجسدها النحيل تتهاوى والدموع تملآ وجهها الشاحب

وتلقتها الام على صدرها وهى تواسيها وهى لا تزال لا تعلم ما حدث لابنها واخبرها

الطبيب ولم تصدق ما حدث ..ولدها لا يزال على قيد الحياه بعد ان بعث الله له قلب

ينبض بالحياه والشباب والعافيه .سجدت الام لله شكرا ثم نظرت للفتاه وقد احتضنتها

وتدعوا لها بالصبر وانطلقت الفتاه خارج المستشفى بعد ليل طويـــــل وحزيــــــــن

والم يعتصرها وعيون تائه تلملم احزانها وهى تقول" انها اراده الله وما يعزينى ان قلبه

ما زال يسكن شخصا آخر ينبض له بالحياه ليسعده ويسعد قلب ام حزينه"

وبعد عدده ايام قضاها "احمد" بالمستشفى بدأ يسترد وعيه واخذ يتماثل للشفاء يوما

بعد يوم وهو لا يصدق ما حدث له فى تلك الليله

وانه مازال على قيد الحياه كان وجهه يضىء بالبشر وترتسم عليه علامات الرضا

والسرور والسعاده وقد احس ان يوم مولده ذلك اليوم حيث قلب جديد فتى قوى وقد

ملائه ذلك بالامل الجديد فى الحياه حتى انه بدأ يهتم بعمله مره آخرى وابتعد عن حياه

الضياع والمخدر الذى كان يعاقره وقرر ان يعيش حياته من جديد وان يلحق كل ما فاته

وقد اصبح ينتابه شعور غريب لم يجد له تفسيرا .فقد اصبح يحب اشياء لم تكن

لتستهويه يطرب لسماع الطيور فى الصباح الباكر وهى تزقزق وتشقشق مع نسمات

الصباح النديه عشق الزهور وحرص على اقتنائها ورعايتها وكثيرا ما كان يشم رائحه

عطر الجاردينيا فى انفه للحظات ثم يسائل امه الا تشمين هذه الرائحه الذكيه وتتعجب

امه من سؤاله وتتضحك "لا ياولدى" وترددت تلك الظاهره فبينما هو جلوس مع رفقائه

اشتم نفس الرائحه وطاف عبيرها بخياله واذا بدقات قلبه تعلو وهويتعجب من آمره

هناك طيف يمر وقلب يخفق وذهن يشرد وعبير يملاء المكان للحظات

ثم يختفى كل شى .. .

مررت الايام عام بعد عام وذات مغيب اذا بقدميه تسوقانيه الى شاطىء البحر وقت

كانت الشمس تميل بقرصها الذهبى الغارق فى الحمره تغوص فى اعماق البحر

وكأنها تهمس فى آذانه باستحياء تستأذنه تسأله الفراق

على امل اللقاء عند الصباح تمحو ظلمه ليله وتملا اشعتها سماء الدنيا نورا وبهاء

وتتلاءلىءاشعتها كالدر على صفحه الماء ....

وفى ظلمه المغيب تلمح عيناه جسدا نحيلا كظل يرقب المغيب كانه صلاه محب

وبصر شاخصا صوب الماء فى حيره وصمت ....

فاخذ يقترب شيئا فشيئا..وشيئا ما يجذبه كالحنين يشده الى تلكم الصلاه

وامتلاء فضولا واقترب اكثر واشتم رائحه العبير نعم هو عطر الجاردينا

انه يزداد كلما اقترب اكثر نظر فى عينيها وتأملها فاذا هو فتاه عذبه حلوه الملامح

يسرى من داخلها حزن دفين يشع من اعماقها ينساب من نظراتها التائه

واحس بقلبه يخفق بقوه ويرتعد فى جوفه ويهز اضلاعه ورائحه الجاردينيا الجميله

تعصف به وقد اثار دهشته تلك النظره التى رمقته بها والحزن يسكنها

فتقدم منها وقال " ارجوك اسمحى لى شيئا ما يجذبنى اليك اشعر بالحنين للمكان

مع اننى لم اتى هنا من قبل وجدت قدماى تقودانى الى هذا البحر واعجبنى مشهد

الغروب والغريب اننى لم اكن لالحظه من قبل

بل لم يكن يلفت انتباهى والغريب ايضا اننى لم اهتم بالطبيعه يوما

ولا يعنينى التامل فيهابل حتى كنت لا احب البحر الا ترين ذلك غريبا"

وارادت الفتاه ان تتراجع للخلف وتبتعد بعد ما اقتحم عليها خلوتها

ولحظات سكونها مع اطياف الماضى وحبيبها الذى اعتادت على الذهاب

معه للشاطى والتمتع بلحظات الغروب حيث تتناغم الطبيعة الماء والسماء الشمس

والسحاب وتتمازج الالوان لتخرج مشهدا كونيا غايه فى الجمال

يتكرر كل يوم ليسعد العاشقين ويملاء النفس بالدفء بالشجون والذكريات

وعندما بدأت خطواتها بالتراجع شعرت بقلبها يسرع الخفقان وصدرها يعلو ويهبط من

فرط الحنين وتسمرت قدماها فى الارض وكأن طيفا يجول بخاطرها يسبح بين حناياها

يهيم فى ثناياها يذكرها يوقظها ينعش قلبها ....

هذه الدقات اعرفها حق المعرفه وتلك النبضات لطالما ألفتها هذه الانفاس اشم عبيرها فى صدرى ليست بالغريبه انى احبها بل اعشقها أذوب فيها

...انها هى انها.... انها ماذا انا اهذى ..هل فقدت صوابى مالى لااستطيع الحراك

ولم يخرجها من صمتها الا صوته وهو يقول" الدنيا برد عليك اخشى عليك ان يصيبك

المرض ما رايك لو ذهبنا الى تلك القاعه على الشاطى فهم يقدمون الشوكلاته الساخنه سوف تشعرين بعده بتحسن ودفء

ثم استطرد وقال "على فكره ده احلى مكان بيقدم الشوكولاته الساخنه"

وضحك فضحكت هى ومشيت معه بعد ان منحها كوفيته الصوف لتلف بها رقبتها

وكتفها النحيل من البرد وبينما هى تمشى كالمسحوره تخرسها الدهشه مما يحدث

فهى تعلم انها لطالما ذهبت هناك لتلك القاعه على الشاطى مع زوجها الحبيب بعد ان

اعتادا على مشاهده الغروب الذى يعشقانه وهم يتضاحكان ويتسامران ثم يحتسيان

الشوكولاته الساخنه فى تلك القاعه و...


وتتوقف فجأه لتقول لنفسها ماهذا ..كيف اوافقه هكذا كيف مشيت معه ومن هذا

الغريب الذى يجالسنى فاستدارت له وقالت بصوت مضطرب

من انت ايها الغريب وما هى قصتك وراح يسرد لها كل ما مر به من احداث غريبه

وكان قلبه مازال يخفق كلما نظر اليها وراح يحكى لها عن نفسه ومرضه الذى لازمه منذ

مولده وكيف وهبه الله قلبا جديدا غير من مجرى حياته وكيف ايقظ هذا القلب فيه كل معانى حب الحياه بعد ان كان ينتظر الموت والتفاءل بعد اليأس وساورت الشكوك الفتاه

فراحت تستفسر اكثر حتى ايقنت ان القلب الذى ينبض بين ضلوعه ما هو الا قلب

حبيبها وبدأت الامور تتضح وننقشع الغمائم وقد ادركت ما سر الرعشه التى سرت فى

اطرافها والخفقان المشحون بالشجن الذى احست به عندما اقترب منها ووقف امامها

انه قلب من احبت ينبض يدق يعلو يصرخ حبيبتى

هاذى انا قلب عشقك هتف باسمك استحلفك ان تسمعى نبضه ...ان تستجيبى

لندائه حبيبتى لم امت مازلت ادق من اجلك قد بعثنى الله فى جسد جديد قد ملئته

بالحياه بعد اليأس والامل بعد الضياع هذا قلبى حبيبتى قلب احبك

وفجأه صرخت انت هو اذن قلبك هو قلبه انا اعرفه فهو قلبى الذى بين ضلوعى

فهو حبى الذى مازلت احى له وتعجب "احمد" مما سمع فهو الآخر قد همس قلبه بحبها وانجذب لها كان يشم ريحها وعبيرها على الدوام

كانت تحوم حوله تحثه على المجى اليها باحساسه بقلبه بروحه وعقله ...


كيف جمع الله بينهما ولم يرها ولم تراه كيف كان يقتسمان اللحظه

بعدما اخذته خطاه اليها

وها قد علما انه القدر..نعم انه القدر وان قلبه الذى يضخ الحياه فى عروقه

هو قلب الآخر .
قصه<<<قــلب آلاخـــــر>>> بقلمـــــــــى

التركه - سحر النحاس



التــــــ✿التـركـــــــه ✿بقلمـى شــروق❀❀ـــركه 



فى صالة المزاد كل شىء يباع الاثاث القديم التحف والأنتيك, الساعات الاثريه, النجف الكريستال 
كل شىء قابل للتفاوض تراث الاجيال والتاريخ القديم لم يجد من ينقذه من الضياع
ونخاس القيم والنفائس " تاجر" لا يختلف كثيرا عن 
تجار الرقيق او العبيد فالكل لديه بضاعه معروضه تترجم لقيمه ماليه 
فى سوق خال من العواطف الانسانيه
فى صاله العرض تتم المساومه على مقتنيات الأسر العريقه التى تعسر حالها واخنى عليها الزمان .
الماضى والتاريخ يباع بأرخص الاسعار 
ومين يزود........
وتحت ناقوس المزايده 
تتعالى اصوات المشترين بنهم , وهم يقتنصون الفرائس للايقاع بالنفائس والفريد بأقل الاثمان 
حتى يرسوا المزاد على اعلى مزايد 
✿التـركـــــــه ✿بقلمـى شــروق❀❀✿التـركـــــــه ✿بقلمـى شــروق❀❀✿التـركـــــــه ✿بقلمـى شــروق❀❀
الا اونه الا دووى الا تريه ....

...
........مبرووك عليك!!

وهكذا فى لمح البصر تنتقل ملكيه مقتنيات تحمل ذاكره وماضى قد تكون ذات ذكرى غاليه على القلب او قيمه معنويه لشخص 
او هديه عزيزه او اثر قديم منذ عهود 
بعيده توارثته اجيال الى اشخاص لا ينتمون الى تلك المقتنيات
سوى حب الامتلاك او هوايه اقتناء التحف 


وهكذا يتم معاوده الكره مع التالى ....
مين يشترى ساعه ابنوس، يالا سرير الملكه اوجينى طقم فضه, سجاده شينواه يدوى, فازه مذهبه موقعه ,تابلوه ,كرسى 
طبق كريستال بوهيمى من عهد الملك قلاووووو....... 
بلا قلب وبلا هواده وتحت سيف الحوجه يسود قانون الغاب البقاء للاقوى 
والسلطه للقادر
والنفوذ لسطوه المال 
يباع الماضى والذكريات
.............................................. 
فى أجواء حزينه قاتمه اجتمعت الاسره المكونه من اثنين من البنين واربعه من البنات
حول جثمان الوالده حيث يتم تشيعها الى
مثواها الاخير
والدموع تتساقط بحراره على فقد الحبيبه الغاليه بعد صراع مع مرض قصير اودى بحياتها
تمت مراسم الدفن وعادوا يتحاملون للبيت الكبير الذى طالما جمعهم حول مائده واحده فى الاعياد
وايام الجمعه
من كل اسبوع حيث اعتادوا ان يتلاقى الاخوه والاخوات
واولادهم وازواجهم وزوجاتهم لقاء يوم ممتع دافىء يتسامرون يتضاحكون وتقوم الوالده باعداد ما لذ وطاب
من انواع الطعم الشهى
وحتى بعد ان توفى الوالد ظلت الاسره على نفس النمط المعتاد من التجمع الاسرى واللقاء الاسبوعى
ظلت الاسره تتلاقى لعده اشهر ثم بعدها ابتدأ انشغال البعض وتاخر البعض عن الحضور بانتظام
تحجج بعضهم بانشغاله مع الاولاد وتوالت الحجج حتى بات الامر الطبيعى هو عدم الحضور
واجتماع الاسره واكتفى الحال بالسؤال احيانا بالهاتف
او الاطمئنان عبر المحمول من حين لاخر
وظلت شقه العائله مغلقه لاشهر عديده اللهم الا مرات قليله كانت تقوم فيها احدى البنات
باخذ خادمتها لتهويه الشقه او تنظيفها من الاتربه نتيجه الغلق الطويل
مرت الاعوام الواحد تلو الاخر انقضت ايام التلاقى الاسريه واصبحت من الماضى الذى يهاجم الذاكره احيانا فنتذكره ونتحسر على الايام الجميله والذكريات القديمه والاحاديث والدفىء والترابط و......
وتنقضى نوبه انتعاشه الذاكره لتعود ادراجها وتتدور عجله الايام سريعه متلاحقه كل يوم باحداث وانشغالات وتظل الشقه المغلقه تحمل داخل جدرانها اصوات الماضى كم كانت عامره صاخبه تملاءها الحياه فيها ولد الصغار وفيها اقيمت الافراح وعلى منضدتها اجتمع الصغار والكبار على اشهى المأكولات
اعواما صار الصغار شباباً والكبار ازدادو شيبا وخطت الايام علامات على جباههم وانسجتهم وارواحهم الهرمه

جاء احد المشترين يرغب فى شراء الشقه المغلقه وعرض مبلغا من المال مغرى فقرر الابناء اتمام البيعه واقتسام الثمن بينهم حسب وصايا التركه
بقى التخلص من مقتياتها من الاثاث والنجف والتحف ....فقدكتنت الشقه عامره بالاثاث القيم والسجاجيد الفاخره الاصليه والتحف والثريات كما احتوى دولاب الهدايا والفضيات المذهب على العديد من المشغولات الفنيه الثمينه
عرضت احدى البنات ان تقسم المقتنيات بالتساوى حيث يمكنهم الاحتفاظ بتراث العائله العريقه ومقتنياتهاالثمينه
لكن سرعان ما ظهر الخلاف بين الاخوات
حيث تصارع كل منهم على اقتناء الاغلى والاقيم
وتدخلت زوجات الابناء انا زوجه الابن الاكبر انا احق لتتدخل الابنه بل نحن بناتها وهذا ميراث ابينا وامنا
وتطورت الاحداث منبأه بقدوم عاصفه قد تقتلع جذور الموده والتأخى
فانطلق الاخ الكبير بقرار بيع جميع المقتنيات وتقسيم الاموال بما شرع الله أحقاقا للحق وتهدئه للاجواء الملتهبه وحفاظا على الروابط الاسريه واجلال
لذكرى الفقيده الغاليه

فى صباح اليوم التالى قام الاخ الكبير بالاتصال بأحد التجار المتخصصين فى شراء المقتنيات القديمه والتى يمكن تثمينها
بما تستحقه ماديا طبقا لندرتها وقيمتها التراثيه

جاء التاجر ومعه فريق من الخبراء المتخصصين فى فرز وتثمين التحف والاثريات
بدا التهافت والانبهار فى عيون هؤلاء كلما التقفوا قطعه فى يدهم راحوا يقلبوها ذات اليمين وذات الشمال 

الساعه الابنوس على الحائط كانت خاصه جدى قد اتى بيها من مزاد من قصر باشا كبير 
تلك النجفه المحفوره من الفضه الخالصه يعلوها طبق نصف دائرى من الكريستال الاصلى المشطوف كأنه لؤلؤه ماسيه تعكس الوان الطيف عن انهعاس الضوء المتساقط عليها من مصدر الضوء

ذاك الابريق الذى كانت تعتز به جدتى والمصنوع من الفخار الصينى الازرق وعليه النقوس الصينيه الرائعه
مع طقم الشاى الرائع
ياإلهى هذا التمثال الذى كنت أحبه وانا صغيره كان يشعرنى بالدفء والحنان فهو منحوت على هيئه سيده راقيه ترتدى زيا من ازياء ملوك القرن الماضى وهى تحمل فى يدها وليدا صغيرا تحتضنه بمنتهى الحنان 

أنتقل الرجال لدولاب الفضيات الملىء بأطقم القهوه الاوبال ذات التلبيسه المشغوله بالفضه وأطقم ادوات المائده من ملاعق شوك وسكاكين من النيكل الخالص المطعم بالذهب بعلبته
ذات الادراج المتعدده من الابنوس البندقى مكسوه بالمخمل القرمزى
المزهريات ذات النقوش البارزه من الفضه التى كانت تدشن بيها قاعات استقبال الضيوف كانت جدتى دائما وبشكل اسبوعى تجمع تلك المزهريات وتجلس على الشازلونج الخاص بيها فى حجرتها وتقوم بتلميع الفضيات ولا تتركها حتى
تتلاءلاء ببريق رائع
جاء دور تلك الاريكه التى طالما جلست عليها وقضيت اوقاتا طويله انا واطفال عائلتنا نلعب ونمرح ونقفز فوقها حتى تأتى الينا احدى امهاتنا لتصرخ فى وجهنا اجلسوا بهدوء جدكم نائم بالغرفه المجاوره ونظل نهمس ونلعب بهدوء مصطنع ثم ننفجر ضحكا وتتعالى اصواتنا اكثر من الاول
انسابت من عينى دمعه وانا انلقى النظره الاخيره على تلك الاريكه بعدما قام الشيالين برفعها من على الارض ومضوا بيها للخارج
اخذت انظر اليها نظره مودع وانا اتفقد ارجاء المكان بلهفه وجنون وكأنى أختزن فى ذاكرتى اكبر قدر من الصور قبل
ان تنقضى الى الابد
وراحت الشقه تفرغ الواحده تلو الاخرى والتجار يتهافتون على مقتنيات المكان بعبون خبيره ويقيمون البضاعه
وتثمن وتتم المبادله
هذا الطبق كنت احبه وذاك الكونسول المذهب الكبير الذى يعلوه مجسم لتمساح ضخم او طائر خرافى مجنح
تكسوه مرأه فاخره من الزجاج البلجيكى ذات النقوش الخلابه بقاعدته الرخاميه العريقه المعرقه بخطوط ورديه مبهره
تلك الستاره من الكورشيه كانت جدتى قد نسجتها بيدها وكلما كانت تقوم بنزعها لتنظيفها وكيها
كنت اقف معها وهى تقوم بتعليقها امام الشرفه الكبيره وهى تنادينى ناولينى يا ابنتى ستاره عناقيد العنب
وكنت أتعجب بسخريه وانا لا اقدر تلك الاتحوفه التى بين يدى فكانت تجلس بجوارى
وهى تمسك بفخر الستاره وتقول لى تلك من عمل يدى وقد استغرقت وقتنا طويلا حتى انجزتها
فهى غاليه عندى ثم تجلس على الكرسى الفوتيل المجاور لتصلى
بعدها تمد يدها على السبحه الكهرمان المعلقه بجوار المقعد لتسبح عليها

سبوح قدوس سبوح قدوس
يالهى لقد التقطها ذالك الرجل القصير الذى يدور فى المكان بحثا عن كل ثمين
اخها بين يديه وراح يتفحصها بنهم صائحا
انها كهرمان طبيعى سادفع فيها ........
 
يالله كل تلك النقود لتلك السبحه التى كنا نلعب بيها ونمشى بيها فى الظلام لتضىء فى ايدينا لنتلقفها بين ايدينا الصغيره
الواحد تلو الآخر بسعاده ومرح ونحن نتعجب احدفلى السبحه المنوره لتأتى جدتنا تعنفنا خوفا من ان تفرط على الارض
لقد دسها فى جيبه بعد اضافتها للبيعه واختفت من ناظرى للابد كدت اصرخ فيه من انت حتى تسرق ممتلكاتنا
ولكنى عجزت عن الكلام
لقد كانت مقتنيات العائله اما الان قد اصبحت تركه
لابد ان تقسم او تباع لتتحول الى شىء قابل للتداول
انحسر قلبى وانا ارى كل شىء يباع

كل تاريخ الايام يمضى بلا رجعه
كل قطعه اثاث فى هذا المكان كل اتحوفه او مفروشات لها رصيد فى ذاكرتى تمنيت وقتها لو أملك المال لاهبه لهم
لاحتفظ انا بتلك الاشياء الثمينه على نفسى وقلبى وعقلى ووجدانى
والتى تتجاوز القيمه الماليه والنقديه
الى قيم معنويه وتراث عائله وتاريخ وهويه
ايام من العمر مضت شكلت وجدان وكينونه من احتوها واقتناها
وحافظ عليها طيله العمر
قفز فى خاطرى سؤال غريب وقتها
هلى تلك الاشياء والمقتنيات اغلى من الاناس الذين كانوا يسكنوها او يمتلكوها 
هل حزنى العميق وانا ارى انتقال ملكيتها الى غرباء لا ينتمون اليها ويتعاملون معها على انها صفقه رابحه
وربح وفير سوف يتم المقايضه عليها لمن يدفع فيها اكثر او لهواه جمع التحف او من عندهم هوس اقتناء كل ما هو اثرى

انا الوحيده التى يربطنى بهذه الجمادات علاقه وثيقه فهى جزء من تاريخى وتاريخ عائلتى فيها ايام مضت
وذكريات عمر طفوله وشباب
اخذت افكر هل هى اغلى من احبتى اللذين فقدتهم
وحصلت على الاجابه بالطبع لا,,,,
انما معزه الاشياء وارتباط الانسان بيها لانها تمثل علاقه ماديه ملموسه فانااستطيع انا المسها اتفحصها
امرر يدى عليها فتنساب الذكرى بين يدى فأرها امام عينى صور مجسمه وكأننى بالذكرى استرجع الماضى
عندما فقدنا الغالين لم نتمكن من الاحتفاظ بهم فظلت ذكراهم مرهونه باشياءهم ومقتنياتهم كلما اخذنا الحنين اليهم تفقدنها وقد
انتقل الينا عبق الماضى فى عالمهم القديم ممثلا باشيائهم
فتتطوف الذكرى فى ابدننا فنعيش الماضى 

انقضى اليوم وجاء المساء
وقد فرغت الشقه تماما من محتوياتها
ونظرت حولى فلم اعرف المكان
اصبحت الجدران خاليه والحجرات خاويه
فرغ العالم من حولى تفقدت اركان البيت وانا اشاهده لاول مره فى حياتى
فارغ بدون اثاث بدون تاريخ بدون ماضى او ذكريات
مجرد جدران بارده صماء خرساء وفراغ يحيط بى من كل جانب
اشعر بقشعريره ووحشه تجتاحنى
كاننى فى قبر موحش
لقد تغير المكان فجأه فلم يعد شقتنا القديمه الدافئه ولم اشعر باى انتماء لم يعد بيتى ولا بيت اسرتى
لم يعد هناك ما يربطنى به كما لم يعد لوجودى اى داع شعرت باختناق رهيب يجتاحنى يضغط على انفاسى
فالهواء هنا لا يناسبى واصداء الصوت فى الفراغ ازعجتنى ....أفزعتنى
يالهى انى أختنق ....... لملمت بعضى وانسلخت بسرعه من المكان........بعد ان انفض المزاد
وانفضت التركه 
تمت

                                                سحر النحاس 

رســــــــــالة - هدير زهدي


رســــالة


    "فليعد كل منا إلى دنياه يا رفيقي ..
     فلا تلك السبيل طريقك ولا طريقي ..
فقد ضرب الشيب رأسك، ومازلت أنا على رأس الزهرات برعما .. تصابيت بالحب، فاستأصل من عمرك عمرا، وحولت المرآة بياض شعرك سوادا !
أما أنا فاشتقت لاجتياز أسوار الحب باكرا .. اشتقت لعينين عاشقتين ولمسة حانية، لقلب حنون يحميني بين جنباته من لسعات الشتاء الباردة.
ولكن سبلنا المتضادة جمعتنا في مفترق الحاجة الى الحب! فنسيت شيبك، ووجدت أنا من السراب مأملي حين التقينا!
زرعنا في اللاشيء بذورا أنبتت ثمارا وهمية .. استأثرنا بها، وآلفناها، وزيناها .. وصدقناها! فلا جرم أنها يمكن أن تتهشم في لحظة، ويختفي ضبابها الزائف إلى الأبد ..
أبصر الآن أول نظراتك، أسمع كلمات الغزل الأولى، أشعر بأول لمسة تداعب أصابعي .. وكأنهم الآن هشيما تذروه الرياح! تلك الرياح أفاقتني .. عصفت بي من سحب الأحلام إلى أسفل الواقع .. أطاحت بالغبار الأسود الذي يحجب شعرك الأبيض، فلاح لي مجددا كما كنت قبل البداية! رسمت لي تجاعيد وجهك بوضوح .. تخبرني بأن الزمن قد لعب معك لعبة طويلة تكثر فيها الأبطال .. والبطلات!
     صديقي ..
ظننت أننا يمكننا أن ننجو من تلك الحفرة العميقة .. وقد تبين لي أنه لا نجاة سوى بالحذر منذ البداية! ولكني وأنت قد ضربنا به عرض الحائط .. واسترسلت خطواتنا إلى الحافة حتى وقعنا ، بل وصلنا لأعمق الدرجات !
أحتاج لبرعم مثلي يمد لي يده ، كما تحتاج شجرة عتيقة تأخذك بين أغصانها إلى حيث ترغب .. وأرغب !
     يا رفيقي ..
لم يدرك الكذب أبدا إلى لساني سبيلا ، كما لم يخدعك كل ما تدفق مني اليك ..
ولكن آمالنا العريضة تتسع بينها المسافات والأعمار! وتأبى دائما أن تلتقي كما في نقطة "الحاجة" التقينا !
لم أجد من كتابة تلك الرسالة إليك بدا . بعد ألم القطيعة .. وقد فعلتها بنفسي، ورضيتها .. ولم أحتملها! خاصة حين يصور لي ضميري آلامك وشوقك الملتهب.
في تلك اللحظة التي تقرأ فيها خطابي، أكون قد مضيت بعد النظرة الأخيرة .. ولتعدني أن تكون حقا الأخيرة .. وتفكر فيما أفضيت به إليك في رسالتي"

     طويت الرسالة ..
     أجرعتها عطري المفضل ..
ومضت قدماي تأكل من الأرض خطوات مضطربة .. تكاد تتراجع مرة أخرى .. وقد وضعت الرسالة في جيب معطفي، أتحسسها بيميني، فربما تصل إليه لمسات أناملي حين يطالعها .. وتشرع الأصابع للحظات في تمزيقها ونسيان كل ما فيها من بوح، حتى أرتمي بين ذراعيه ثانية وأتنهد في أذنه : "ها قد عدت إليك"
أراه في مخيلتي، ينتظرني بضربات قلبه المتلاحقة .. يعد لي الأزاهير ويتعطر بأرق العطور .. لم يذهب يمينا أو يسارا في سبيل انتظار تلك اللحظة التي يراني فيها صوب عينيه مجددا.
أشعر بشيء من الغثيان .. غصات كثيرة في حلقي تلاحق أنفاسي المضطربة، تتسابق مع صدري في الصعود والهبوط ...
ها قد وصلت إلى الباب ..
سكنت لدقائق أحاول الصمود، ثم أقرعت الباب ..
كم أتوق لذاك الباب أن ينفتح، وأستقي من نظراته بحورا دافئة تذيب أطرافي الباردة .. ازداد توترا وحنقا ثانية بعد الأخرى .. تكاد تصرخ نبضاتي : "هيا افتح الباب .. اشتقت إليك"
وبعد صراع عدة ثواني .. انفتح الباب برفق، على غير طريقته المعهودة في جذب الباب بعنف!
ينفتح الباب أكثر ليكشف ما خلفه من أسرار ..
لم يكن ذاك الوجه الذي انتظرته! بتجاعيده وبياض شعره!
ولكنه وجها ناعما ذو شعر مسترسل !
وجه امرأة !
يبدو أنها تكبرني بأعوام كثيرة.. متزينه، متعطرة، ترتدي ثوبا أنيقا .. وقفت لبرهة متسعة العينين أتأملها، كما تأملتني .. تتسائل عينا كلينا عن هوية الأخرى وسبب تواجدها! أما أنا فلا أستطيع السؤال، فبادرت هي : "من أنتِ ؟!"
تلعثم لساني،
يرجوها ضميري ألا يصح ما يرمى إليه الخيال! ثم أجبت بسؤال خافت : "أليس ذلك منزل السيد عبد الرحمن؟"
فأجابت في تحد : "نعم، أنا زوجته، ماذا تريدين؟!"
     ورغم ما جئت من أجله، وما فاض به قلمي في الرسالة .. شعرت وكأنما قد توقف قلبي عن النبض!
لا عجب أن يكون الانسان عمليا في دنيا الآلات، ويرمي كل أهوائه في أكبر سلات القمامة حين لا يجد بها نفعا! لقد استخدم في ذاك الموقف كبر عقله وعمره، كما لم يستخدمهما قط منذ رآني!
ابتسمت لتلك التي لا إثم عليها برفق .. وأتاني صوته الخشن، يتمدد في الهواء ليدغدغ مسامعي : "ماذا هناك يا سمية؟"
     أبيت أن أعكر صفو الزوجين في مستهل حياتهما .. وانطلقت راكضة في طريق العودة .. أشد على الرسالة بيميني، وأطبق على معطفي عن شمالي .. أختبئ من عيون المارين، وكأنما يعلمون ما حل بي، وما قذفتني إليه الأقدار !
ألتهم الشارع بساقيَ لاهثة أسابق أنفاسي للحاق بربيع صباي .. أضرب الأرض بقدماي وكأنما أدهس ما تبق من وهم المشاعر! وأخلفه وراء ظهري فيما لا يتعدى محيط الذكريات العقيمة!
وهاهي السماء تشاركني، وترسل الأمطار لتطهير ما لا يجدي في مجرى حياتي .. وتتسارع وقع الأقدام مع شدة المطر .. وها قد غرقت خصلات شعري، ولمع الندى في وجهي، وابتل المعطف، وأيضا .. الرســـالة!
وقفت مليا أتأمل الرسالة المبللة .. ثم فتحتها وقد ذاب الحبر بين السطور، وكأنما تدعوني السماء لتمزيقها. فرفعت رأسي عاليا، حيث تعانق ملامحي صفاء قطرات المطر وكأنما تقبلني، وتهمس لي بآخر نداها أن افعليها الآن .. ثم ودعتني !
فخضعت لآمالها عن طيب نفس قائلة : "يبدو أن تلك الرسالة كانت لي .. وقد فهمتها جيدا"
      ثم مزقت الرسالــة الباليــة !

هدير زهدي

الاثنين، 28 مايو 2012

اللى رقصوا على السلم - أسماء فخر الدين





صحيت من نومى مفزوع خايف من أنى أكون أتأخرت عن شغلى وفجأة أفتكرت ان النهاردة أجازة صحيح احنا فى نص الاسبوع لكن النهارده أجازة .
النهاردة عيد الشرطة 25 يناير والحكومه لابنا يبارك لها أديتنا اليوم ده اجازة .. حسيت انى مرتاح لانى مش رايح الشغل النهاردة .
يااااه هرتاح يوم من انى اشوف أشباه البنى أدمين اللى معايا فى المكتب وأستريح شويه من الكذب والنفاق اللى هما عايشين فيه وبيبدأوا بيه يومهم من أول اليوم لغايه أخره .

خلاص بقى مادام صحيت يبقى أقوم أصلى ... اهى حاجه تنفعك فى أخرتك يا سى سالم ...صليت وعملت لنفسى كوبايه شاى وفتحت التليفزيون أشوف الاخبار لاقيت الدنيا مقلوبه ...أيه ده مظاهرات تانى ...يا عينى على الناس الغلابه كل شويه يتظاهروا ومايلاقوش فايده ويتعبوا ويمشوا .... والمولد يتفض والدنيا تسكت خالص .... يلا ربنا معاهم

وخلص يومى من غير أى حاجه جديده ونمت بدرى عشان اعرف اصحى وأروح شغلى  وماتأخرش واسمع لى كلمتين من المدير ... اصلى من المغضوب عليهم لو اتأخرت لازم الدنيا تقوم وماتقعدش
صحيت من النوم الساعه 7 وصليت الصبح ونزلت بسرعه عشان ألحق الأتوبيس وأبتدى رحله العذاب اليومية فى المواصلات .
وقفت استنى الاتوبيس على المحطه كالعاده وبعد ما استنيت ساعه الاتوبيس وصل وهو مليان على الاخر وحشرت نفسى بين الناس والمكان مافيهوش مكان تقف فيه وقلت ( اهى توصيله والسلام خلينا نوصل الشغل )... وأخيرا وصلت إلى شغلى .. ولسه بادخل من الباب ووقفت اسحب الاسانسير لاقيت اللى بيقول لى : صباح الخير يا استاذ سالم ؟
سالم : صباح النور يا عارف .. اخبارك ايه .
عارف : الحمد لله أنا بخير ... ما سمعتش الاخبار ولا ايه ؟
سالم : اخبار ايه يا سيدى سمعنى ما انت عارف كل حاجه يا عارف .
عارف : أمبارح المظاهرات كانت ماليه الدنيا وفى ناس لسه واقفين عند مجلس الشعب وبيقولوا يوم الجمعه فى مظاهرات جامدة جدا وبيقولوا عليها جمعه الغضب .
سالم: جمعه الغضب ؟ ازاى يعنى ؟ومعناه ايه الكلام ده ؟
عارف : والله على حسب علمى يا استاذ سالم ان المظاهرات دى مختلفه ... عموما ربنا يستر .
وأخيرا وصل الأسانسير وطلعت الدور الثامن ودخلت مكتبى وكلام عارف شغل لى أفكارى وخلانى أسأل نفسى : يا ترى المظاهرات دى هتجيب فايدة ؟ هنتغير ؟ ولا هتبقى زى المظاهرات اللى قبلها شويه كلام وينزل على الفاضى ومافيش حد يعمل لنا اى اعتبار ؟ اما نشوف هاستنى يوم الجمعه بفارغ الصبر ..

وعدى اليو واليوم اللى بعده وكل الناس بتتكلم عن يوم الجمعه اللى بيقولوا عليه جمعة الغضب واللى بدأت بشائره تهل قبل ما هو يبدأ .

بدأت الاحداث من مساء يوم الخميس وأنقطع الانترنت من الساعه 12 مساء وبدأت أشعر بالقلق ... وتغلبت على خوفى وشعورى بأن غدا هيكون فى مذبحه وشعورى ده لم اعرف له سبب  ... ولكن إستسلمت للنوم فى أخر الامر .

صحيت من نومى بعد ما جاتنى كوابيس مالهاش أخر عشان الاقى نفسى فى كابوس حقيقى وهو انقطاع الاتصالات عن المحمول ، ومسكت تليفونى وأنا اراه لاول مره مكتوب عليه لاتوجد شبكه




زاد شعور القلق عندى وسقط قلبى من الخوف لما فتحت التليفزيون ولاقيت الناس فى الميدان فى التحرير ما بين كر وفر من الشرطه ورأيت القنابل المسيله للدموع ... وشعرت بأننى لست فى مصر ولكن فى فلسطين .... وكأننى أرى مشاهد فى الاخبار تتحدث عن الفلسطينيين .

وألقيت نظره على المشاهد التى أراها فى التليفزيون وأجتاحنى غضب شديد وقررت حينها بأننى ذاهب إلى الميدان والأن .
ذهبت للميدان وعندما اقتربت منه  شممت رائحه الغاز المسيل للدموع ولكنى واصلت مسيرى رغم حاله الاعياء التى بدأت أشعر بها وأنضميت إلى جموع الناس وهم يصرخون بقوه زلزلتنى ( كفايه حرام ... أمشى ... كفايه ) وبدأت الاشتباكات بالعصى من الامن المركزى والناس تقابلهم بالطوب وفجأه شعرت بخبطه على رأسى وأظلمت الدنيا وإختفى كل شيئ وغرقت فى بحر من الظلام والصمت .
صحيت على أصوات غريبه وهرج ودوشه وتحسست رأسى وجدتها مربوطه بالشاش وحمدت ربى أننى على قيد الحياة ولاقيتنى فى مكان بيعالجوا فيه المصابين .. وسألت واحد وسط الناس : احنا فين ؟
فقال : إحنا فى مستشفى ميدانى قريبه من الميدان لاسعاف المصابين ، بعد اذنك الحق اشوف المصابين عشان الاعداد كتير جدا .. ربنا يستر .
طلبت منه انى اساعدهم ، فقال لى عند الدكتور احمد واقف هناك هو المسئول عن المكان .
رحت للدكتور احمد وعرضت عليه انى اشارك معاهم وأساعد فى غنقاذ المصابين اللى لاقيتهم كتير جدا وعددهم بيزيد ، وفعلا وافق وقال لى ناول الدكاتره الشاش والقطن .
وقفت معاهم وبقيت اساعد وشفت الشباب زى الورد بيموت قدام عينى من غير ما نلحق نسعفه وبكيت على طفله صغيره جات لنا وابوها شايلها على ايده وهى ميته اخدت رصاصه فى دماغها
وقفت مع الناس وخرجت للميدان لاقيت شباب وبنات وستات وشيوخ وكلهم بيصرخوا وبعلو الصوت وبيقولوا ( أرحل ... امشى ... الشعب يريد إسقاط الرئيس ) وساعتها حلفت انى مش هرجع بيتى انا مش هامشى من الميدان إلا لما الرئيس يمشى ... ايوه مش هبقى سالم المسالم اللى عايش فى الدنيا متغمى زى الثور فى الساقيه ، بشتغل واتعب وغيرى هو اللى يأخذ الفلوس والمكافأت عشان بيضحك فى وجه البيه المدير ، مش هاكون منافق زى الاستاذ/ أحمد زميلى اللى كل يوم يدخل يعظم للمدير عشان يفتكره ويحطه فى المكافأه ، خلاص مش هامشى جنب الحيط ولا هسكت واقول انا مالى مش عايش بأكل وبشرب يبقى خلاص ماليش دعوه ايه اللى بيحصل فى البلد ... لا دى بلدى ... ايوه انا مصرى ...انا سالم ومصرى ...وقفت اسمع كلام الناس والشباب عن حقوقنا وكلامهم كله صح من حقنا يكون لنا كرامه فى بلدنا ، ومن حقنا نلاقى علاج ونلاقى سكن ...... وحاجات كتير قوى .
رحت نمت فى الجنينه فى الميدان وناجيت ربنا سبحانه وتعالى وقلت : يارب رجع لنا كرامتنا وعزتنا وحقنا .. انت القوى على كل شيئ يا كريم .
ونمت فى الميدان والشباب بتتناوب الحراسه لانهم سمعوا ان البلطجيه خرجوا من السجون والشرطه انسحبت ، سابوا البلطجيه تموت الناس .
فضلت فى الميدان لغايه ما سمعت بيان التنحى وساعتها بكيت ، ماعرفش من ايه بكيت ولكن اللى اعرفه ان ربنا كريم ، ومن كرمه علينا انه حررنا وخلانا يبقى لنا كرامه .
وقالوا الوزراء موجودين ... وقالوا الشباب خلاص هنمشى ونسيب الميدان ، بصيت حواليا وقلت يا ناس هما بقيه الوزراء مشيوا ؟ رئيس الوزراء مشى ؟ غيروا وكلاء الوزارة ؟ رؤساء المصالح الحكومية ؟
رد واحد عليا وقال : ايه يا عم سالم بالراحه ...  لا طبعا كل دول موجودين المهم ان هو مشى وخلصنا منه خلاص ، كفايه قوى 30 سنه .
قلت له : كفايه 30 سنه فعلا كلامك صحيح بس كل اللى انا قلت عليهم دول لازم يمشوا هما كمان لانهم ماشيين على نفس الخط وألا هنبقى زى اللى رقصوا على السلم ولا اللى فوق شافونا ولا اللى تحت سمعونا ، ولا كأننا عملنا اى حاجه .

رد عليا واحد تانى وقال : لو حصل حاجه تانى نبقى نرجع الميدان تانى ، خلاص عرفنا الطريق يا عم سالم .
بصيت ليهم بحسره على ما فعلنا وقلت : ميدان ؟ ومين اللى هيخلينا نوصل للميدان ؟ وهنفضل كده كل ما يحصل حاجه نيجى على الميدان ، لا يا جماعه دى مش عيشه حراااام .

وسألتهم : يعنى خلاص هنمشى من الميدان ؟
قالوا لى : ايوه هنمشى .
قلت لهم : طيب خلاص نمشى بس خليكوا عارفين اننا كده ماعملناش حاجه لسه وغلطنا وبكره تعرفوا اننا لما هنمشى دلوقتى هنبقى زى اللى رقصوا على السلم .
ومشيت وسيبت الميدان وانا بحلف انى مش راجعه تانى ولا مره عشان ناس بترضى بأنصاف الحلول 




                                                                                                  أسماء فخر الدين 
                                                                                                  15-3-2011

الأحد، 27 مايو 2012

انتقـــام القــدر- هدير زهدي



     لم يكن صغيرا بالدرجة التي لا تعينه على ادراك الحب الحقيقي ، ولا كبيرا بالدرجة التي تشين به إذا أحب ..
ولكنه في كثير من الأحيان يعجز عن تحديد مشاعره وتفسيرها بدقة. كثر ما كان بعيدا كل البعد عن رؤية ملامحها بوضوح .. أو أنه كان يتعمد ذلك! ولكنه على كل حال لم يكن ينوي إيذاء أي شخص. ولكن كم أسقط من ضحايا في سبيل البحث عن الحب الذي يغنيه عن كل البشر .. كما يبرر!
فيجلس في نهاية كل قصة أمام محبته، دامع العينين، خافت الصوت، واضعا رأسه بين كفيه .. وتجلس هي رابطة الجأش، متماسكة، محاولة أن تخفي ما يشتعل داخلها من لهيب يبدد كل أثر للأمــان، ويحطم كل أحلام اليقظة والمنـــام. ويهشم آخر ما تبق من القلب الجريح حين يقول :
"     لم أجد فيك المعشوقة التي طالما حلمت بها!"

وتختلف ردود الأفعال من قصة لأخرى باختلاف البطلة .. فتبكي حينا .. وتتذمر وتغادره أخرى .. وثالثة توبخه بألذع الكلمات .. ورابعة تلومه وتعاتبه ...
ولا مانع من بعض الأرق في تلك الليالي التي تتكرر مرارا بسبب بعض اللوم من المعاتب الخفي الذي يسمى "الضمير"! .. حتى يجد فريسة جديدة تدخل حقل تجاربه، وتأخذ ترتيبها الرقمي في مسلسل حياته .. وينسى كل ما مضى حين يفتن بجمالها، أو رقتها، أو لباقتها .. فيزعم أنه قد وجد مأمله .. ثم لا يلبث أن يكتشف أن عواطفه لم تخرج قط عن محيط الإعجاب! بينما تقع الفتيات في غرامه لكلماته المعسوله، واهتمامه البالغ الذي لا يدوم طويلا .. فتنكسر آمالهن الوردية!
     وترددت كثيرا أصداء تلك الجملة، التي قد سمعها للوهلة الأولى من إحداهن اللاتي قد فهمنه حق الفهم :
     "ستجد ضالتك يوما فيمن تعذبك بجفائها"

فاضطرب لتلك الكلمات، وازداد الأرق ليلتها .. فلم تعد حينئذ مبرراته مقنعة، فعليه البحث عما هي أكثر اقناعا لفتياته، وأقل تأنيبا لضميره الذي يعكر عليه أحيانا صفو لياليه.
كان يخشى أن تتحقق تلك النبوءة، فيقرر ذات يوم أن يتوخى الحذر في علاقاته واختياراته .. ولا يلبث أن ينسى ذاك الأمر حين يتعثر في أحد الجميلات!
     ولكن اختار له القدر ما هو أسوأ من ذلك وأعظم ألما .. وألقاه ذات يوم عصيب منهارا بجوار جثة مضرجة بالدماء!
وكنت أنا ممن أفزعهم بكاؤه وحرقة نواحه .. فأسرعت وأمثالي من المارين نصنع –من دون اتفاق- حلقة دائرية عريضة حول ذاك المشهد المأساوي!
كان يدرك أنها قد لفظت أنفاسها الأخيرة بعد أن نطقت بالكلمة التي قد طال انتظارها –للمرة الأولى- من أول فتاة قد خفق لها قلبه حقا!
فأخذ يحيطها بذراعيه صارخا عله يستطيع أن يحميها من صفعات الموت التي اصطفت روحها الطاهرة! وترسل يداه على جبينها أجمل عبارات الغزل والعشق، وتُوْدِع قبلاته على جبهتها روحه المهزومة لتسافر معها إلى حيث لا ألم ولا شقاء .. فالسماء رحبة بالقدر الذي يتسع لقلبيهما، وبيضاء بالقدر الذي لن يمزق نسيج سعادتهما!
ولكن اختارتها السماء من دونه لتتركه معذبا إلى جوار محبوبته الأولى، وقد أسلمت الروح ..
     هكذا قص لي الشاب كيف ألقته آثامه إلى تلك المأساة ..
وقد اصطحبته إلى منزلي بعد أن فقد صوابه، وشرد في الضواحي بخطوات السكير. فكان يضرب الأرض عبثا لا يدري لأي اتجاه يسير!
ارتعشت شفتاه وتلعثم لسانه حين مضى يصف براءة الأطفال التي لم تتوار عن وجهها لحظة منذ شجار أول لقاء في أحد مراكز التسوق. لم يكن يتصور أن ينبض قلبه بالحب بعد مشاحنة مع إحداهن، ثم تصبح تلك التي أثارت غضبه .. معشوقته!
باغته الحب، وأخذ يشتعل بدرجات سريعة. وأفصحت عيناها عن الاستجابة لنداءات العاطفة. وكم تمنعت الشفتان عن كلمات كادت ضربات قلبها الصخبة أن تجهر بها ! ولم تنكسر كل تلك الموانع والأسوار حتى سالت الدماء وأوشكت الروح على الصعود! فحررت جناحي حبها وأطلقته يغرد في عنان السماء بلا قيود، ونطقت بها في وهن .. فلم تخفق شفتاه في الابتسام وسط انهمار الدموع، مودعا قبلاته على كفيها، فبادلته الابتسامات .. حتى جمدت الأطراف بلا حراك، بلا نفس، فقط عينان مغلقتان، وجسد شاحب تناثرت على أطرافه البقع الحمراء!
وكثر ما سمعته وسط جموع المشاهدين من عبارات الشفقة والأسف .. وبعض الصياح الذي يتباعد حتى يختفي مناديا "الاسعــاف"..
ثم تضرب الكفوف بالكفوف في أسى، ويصيح آخر بعد أن سكن الجسد إلى الأبد : "المشرحة"
     وها قد مرت ثلاث أيام على الحادثة .. ومازلت أستضيفه في منزلي، ولا أجده مستيقظا بقدر ما أجده نائما! ..
أدركت أن ذلك الفتى طيب القلب، ويحمل بين ثنايا قلبه أحاسيس بيضاء .. ولكن عجزت الفتيات عن استفزاز هذه المشاعر النائمة للنهوض .. سوى المتوفــاه.
حاولت أن أُقظه منذ قليل خشية  عليه من طول ساعات نومه، فما قوبلت سوى بعينين حمراوين، وجملة تدعو للأسى :
"     فضلا، لا تزعجني أثناء الجلوس معها"
                                                                                                   هدير زهدي
                                                                                                  26/9/2011

الثلاثاء، 22 مايو 2012

آلة حاسبة و دبدوب - أحمد موسى


 بقلم : أحمد موسى عبد المطلب
----------------------------
" اتفضل يا أكرم "
قالتها زوجة أكرم و هي تناوله ورقة مطوية ثم أردفت قائلة :
الورقة دي فيها الحاجات اللي احنا محتاجنها ، يا ريت متنساش تشتريها و انت راجع من شغلك .
قال أكرم في اقتضاب و هو يختطف منها الورقة ثم يضعها في جيبه : مش هنسى .
قالها ثم أسرع خارج المنزل و كأنما يود الهرب من أي طلبات أخرى . .
***********************************************************
كان أكرم في طريقه إلى خارج مقر عمله عندما استوقفه زميله رمزي قائلاً : استنى يا أكرم اخدك معايا في سكتي للبيت .
قال أكرم مبتسماً : شكرا يا رمزي بس لسه هشتري شوية حاجات قبل ما أروح . .
قال رمزي : و ايه المانع ؟! اخدك معايا برضو
قاوم أكرم رغبته الشديدة في الموافقة وهو يقول في إصرار : لا ، مش عاوز أعطلك ، اتكل انت على الله .
و استمرت محاولات الاقناع من رمزي و كذلك استمر أكرم في العناد ، حتى لم يجد رمزي بداً من الإذعان لرغبته أمام تصميمه ذاك ..
خرج أكرم من عمله و قد كان في شدة السخط و هو يقول لنفسه غاضباً : يا سلام على غبائي ، كان لازم البس ثوب المروءة دلوقتي ، ده انا استاهل اللي هيجرالي في المواصلات .
****************************************************************************
وصل أكرم بعد عناء شديد و متوقع في الحافلات الحكومية إلى تلك السوق الكبيرة في أحد المناطق التجارية النشطة بالقاهرة و طالما ما كان يصيبه الذهول من كم ما تحتويه تلك السوق من سلع و منتجات مختلفة ، كل شيء و أي شيء كان يُمكن أن يتواجد هناك ، كل شيء ( ربما باستثناء الطائرات و السفن و مركبات الفضاء و القنابل النووية ) )
أخرج أكرم الورقة التي تحوي بين طياتها قائمة المشتريات ثم وقعت عيناه على أول طلب و قد كان " آلة حاسبة حديثة موديل ××× لحل المعادلات "
طوى أكرم الورقة قائلاً : فين أيام لما كنا بنشغل دماغنا في الحسابات ، هي الرفاهية الزيادة دي هي اللي خربت عقولنا .
توجه أكرم إلى أقرب المتاجر التي تبيع المستلزمات الدراسية من أقلام و دفاتر و غيرها و هناك وجد أعداداً و أنواعاً لم يتصور وجودها قبلاً قط !
و كذلك أسعاراً متباينة تبدأ من شبه الصفر إلى الآلاف المؤلفة !
و تمنى لو كان كُتب في ورقة المشتريات و بجوار كلمة آلة حاسبة تلك الجمل التي يعشقها و هي " بأرخص سعر ممكن "
فلو رآها لكان الان في أفضل حال ، و لكنه لم يجد مفراً من أن يطلب من البائع ذلك النوع الذي حُدِدَ  له في الورقة .
و لكن فُوجئ بالبائع يُبسط أمامه أكواماً من العُلب التي تحوي بداخله الآلات الحاسبة فقال له مندهشاً : ايه كل ده ؟! أنا طلبت آلة واحدة بس مش المحل كله !
أجاب البائع : في أكتر من موديل من النوع اللي حضرتك طلبته ، و دي معظم الموديلات من النوع ده ، حضرتك اختار اللي يعجبك .
قال أكرم بدون أن يتلاشى ذهوله : حتى الآلات الحاسبة بقى فيها موديلات ، زمن عجيب !
أخذ يفتش وسط أكوام الآلات المتراصة أمامه و هو يستطرد قائلاً : بس أنا عارف أنا هجيب ايه .
و آخذ أكرم يتناول كل واحدةً على حدى فيفحصها من جميع الجوانب من الداخل و من الخارج و ربما ساعده على ذلك البحث انشغال البائع بتعاقب الزبائن على المتجر .
و بعد فترة ليست بالقصيرة ، فحص خلالها أكرم كل ما أمامه تقريباً توجه برأسه و الذي  كان قد تصبب عرقاً للبائع و هو يقول : طلبي مش موجود في كل دول للأسف .
صاح البائع متسائلاً في استنكار شديد : و هو ايه طلب سيادتك !
أخبره أكرم بطلبه ، فأجابه البائع و هو يهز كتفيه : و ليه سيادتك مقلتش طلبك من الاول ، لا معندناش و معتقدش انك هتلاقيه عند أي حد تاني . .
لم ينبس أكرم ببنت شفة و خرج من المتجر في صمت !
****************************************************************************
توجه أكرم إلى ذلك المتجر الكبير في ذلك السوق التجاري آملاً أن يجد رغبته فيه ، و هناك تكرر نفس الموقف السابق ..
فدخل أكرم المتجر و طلب ذلك النوع من الآلات منه ثم بسط البائع أمامه موديلات مختلفة فأخذ أكرم يفحصها كلها بنفس الطريقة العجيبة ، و لا يلبث أن ينتهى من فحصه ذاك بدون نتيجة إيجابية ! ، و يتكرر سؤال البائع عما يريده أكرم ، و تتكرر الاجابة ، و يتكرر النفي من البائع
و استمر الأمر يسير على هذا المنوال في العديد من المتاجر  ، قبل أن يتسلل اليأس أخيراً إلى قلب أكرم  فغمغم في إحباط : نأجل موضوع الالة الحاسبة دي شوية و ننقل على اللي بعده .
قالها ثم أخرج الورقة المطوية من جيبه مجدداً و قام بفضها و نظر إلى الطلب  الثاني في القائمة و الذي كان " ساعة يد ( عقارب ) " للمدام
و بالنسبة إليه كان من السهل جداً أن يجد متجراً لابتياع تلك الساعة المطلوبة و لكن من المنظور المادي لم يكن الأمر بتلك السهولة قط .
و لكنه لم يجد مفراً من التنفيذ .
و في حيرة شديدة أخذ ينظر لواجهات المتاجر في انبهار ، كانت الساعات ذات أشكالا ً و ألواناً  تسيل اللعاب بحق ، و لكن انبهاره هذا لم يكن بسبب جمالها فحسب ، بل كان بسبب سعرها أيضاً .
و بعد فترة من التحديق في واجهات المتاجر المختلفة استقر أخيراً على متجر اعتبره الارخص سعراُ نسبياً .
و بخطوات مرتعشة ، دلف أكرم للمحل .
ابتسم له البائع قائلاً : أهلاً و سهلاً يا أستاذ ، آمر و فور دخوله للمتجر
رد أكرم : عاوز ساعة حريمي عقارب و احم .. سعرها يكون معقول .
و بسرعة عجيبة و كأنما يعرف طلب أكرم مسبقاً دس البائع يده في كومة من أكوام الساعات الهائلة و أخرج له ساعة ذات لون فيروزي هادئ و لامع في الوقت ذاته في تناقض عجيب .
أنبهر أكرم أشد الانبهار بتلك الساعة فسأل للبائع : تسمحلي اشوفها ؟
ناوله البائع الساعة قائلاً : ده أكيد ، اتفضل .
أخذ أكرم يفحص الساعة بنفس طريقة فحصه للآلات الحاسبة .
و بعد أن أنتهى من فحصها  نظر إلى البائع و هو يقول مبتسماً :
xxxx
حلوة أوي الساعة دي ، و زي ما أنا عاوز بالظبط ، قولي بقى بكام ؟
رد البائع بابتسامة أكبر كاشفاً عن أسنانه الصفراء : ب              جنيه !
تلاشت ابتسامة أكرم و قال في سرعة : وحشة اوي الساعة دي ، لونها مش ظريف خالص و مش بنفس المواصفات المطلوب .
صمت قليلاً ثم أضاف : شوفلي أرخص حاجة عندك .
قال البائع في دهشة : زي ما حضرتك عاوز !
أخذ البائع يبحث وسط  أكوام الساعات الموجودة و أخيراً أخرج له ساعة تبدو أقل بهجة وجمالاً و ناولها لأكرم قائلاً : اتفضل دي أرخص ساعة في المحل .
XX
تناول أكرم الســـــــاعة من البائع قائلاً : و دي بكام ؟
رد البائع : ب          جنيه بس !
قال أكرم مبتسماً : اه تمام ، و الساعة فعلاً شكلها حلو و مناسب .
قالها ثم بدأ فحصه الروتيني المعتاد ، بدأ جولته من واجهة الساعة ، ثم أخذ يفحص جانبيها في عناية بالغة ثم إلى غطائها ..
 و فجأة تكرر ما يحدث في كل مرة .. فتلاشت ابتسامة أكرم و حل محلها عبوس و غضب و هو يعيد الساعة للبائع و هو يصيح في حنق : ده كتير ، كتير أوي .
تناول البائع الساعة من أكرم في عناية قائلاً في تعجب : فيه ايه يا استاذ مالك ؟ هي الساعة معجبتكش و لا ايه ؟
و لكنه سؤاله هذا تردد بلا جواب
و ذلك لأن أكرم لم يعد موجوداً داخل المتجر ..
.. بل غادر تماماً
****************************************************************************
تكرر ذلك السيناريو مجدداً في ما بقي من قائمة المشتريات
فقد كاد أكرم أن يكسر خلاطاً كهربائياً في محل الادوات المنزلية بعد أن أجرى عليه ذلك الفحص الروتيني ، و الذي آثار سخطه كالعادة .
ثم لمح في قائمة المشتريات كلمة " دبدوب ..
 فدخل في معركة شرسة مع دمية في محل ألعاب الاطفال " بعد أن تكرر نفس الفحص العجيب
و في النهاية وجد أكرم نفسه عائداً للمنزل متأخراً عن موعد انصرافه من العمل بعدة ساعات .. و الأسوأ من ذلك أنه عاد خالي الوفاض ! بدون أن يشتري و لو شيئاً واحداً فقط مما كان مكتوباً في الورقة .
و خطا إلى داخل المنزل بهدوء و هو يقدم ساقاً و يؤخر الثانية !
و أخيراً أصبح أكرم داخل المنزل و لكن لم يكد يدخل حتى فوجئ بزوجته أمامه كما لو كانت تتربص به ، لاحظت هي تلك الصدمة المرتسمة على وجهه فهتفت : ايه اللي آخرك كده يا باشا .
أجابها أكرم بتلعثم سببه التوتر : كــــ ... كنت فيـــ ، في الشغل ، و بعدين رحت عشان اشتري الحاجات .
قالت له في دهشة : بس أنا مش شايفاك شايل حاجة يعني . .
قال لها و قد تضاعف توتره مرات و مرات : اصلي .... اصلي
صاحت له في غضب : اصل ايه ؟ ما تجمع كلامك !
قال أكرم : اصلي مشتريتش حاجة .
قالت في ثورة : افندم ، امال كنت بتهبب ايه كل ده ؟!
رد أكرم : كنت بدور بس ملقيتش حاجة من اللي انتوا عاوزينها . 
صرخن في ثورة : انت هتستعبط يعني ايه ملقيتش ، الحاجات دي تلاقيها في اي حتة ، ده انت نهارك مش فايت النهارده .
 حاول أن يفسر لها مع حدث ، و لكن يبدو أن التفسير لم يرُق لها كثيراً ..
و لذلك نشبت المعركة المرتقبة في المنزل .
****************************************************************************
في اليوم التالي و برغم ما حدث معه من مشاكل في ليلته الماضية ، ذهب أكرم إلى عمله مبتسماً لسبب ما .
و بعدما أنهى عمله بدا عليه الارهاق ، و لكنه تناسى كل ذلك و أتجه إلى مديرة مكتب المدير مباشرة و سأل سكرتيرة المكتب قائلاً : اقدر ادخل ؟ عاوز أكلم سيادة المدير في موضوع مهم جداً .
ردت قائلةً : ثواني ، ادخل ابلغه .
 قالتها ثم نهضت و اتجهت إلى باب مكتب المدير فطرقته ثم دلفت إلى الداخل ، و بعد لحظات خرجت من المكتب و توجهت إلى أكرم و هي تقول : اتفضل ادخل .
تهللت أسارير أكرم ، و توجه بسرعة إلى باب المكتب فطرقه و انتظر حتى أُذن له بالدخول ثم فتح الباب ، و خطا لداخل المكتب بهدوء و رهبة .
و في الداخل كان المدير جالساً على كرسيه المعتاد ، و أمامه شخص طويل أسود الشعر و العينين ، أخذ يرمق أكرم بنظراتٍ فاحصةٍ ، تجاهله أكرم و توجه إلى المدير و صافحه ففقال له المدير : أهلاً بأكرم الموظف المجتهد ، سلم على أستاذ حلمي ، المدير الجديد لمركز التصميم .
صافحه حلمي قائلاً : أهلاً بيك يا أستاذ أكرم .
قال أكرم و هو منتشي من وصفه بالأستاذ : أهلاً بسيادتك يشرفني التعرف عليك ، و خصوصاً في الوقت ده
نظر إليه حلمي بتساؤل : قصدك ايه ؟
قال أكرم بحماس : أنا عندي اقتراح حلو جداً لتطوير الانتاج في المصنع . .
قال له المدير : طيب اتفضل اقعد و قول اقتراحك يا سيدي .
جلس أكرم على الكرسي المجاور لكرسي حلمي ثم قال : أنا أقترح أننا بدل ما نكتفي باستيراد المنتجات و نجمعها و بس ، اننا ننتج احنا المنتجات دي ، نستورد المواد الخام المتوافرة بكثرة ، و بخبرات العاملين في المصنع ، نقدر نصنع منتجات أكثر جودة بكثير من اللي بنستورده ، و الربح هيكون أكبر .
حدجه حلمي بنظرة ساخرة .. لم يكد ينتهي من حديثه حتى
.. و تمتم المدير قائلاً : الموضوع مش سهل يا أكرم ، و هيعملنا مشاكل و وجع دماغ على الفاضي ، خلينا كده كويسين .
قال أكرم : لكن يا سيادة المدير .
قاطعه حلمي وقد انتقلت السخرية من عينيه إلى لهجته : انت بتشتغل ايه في المصنع يا أكرم ؟
أجابه أكرم وقد أدهشه السؤال : بشتغل في قسم الواردات في المصنع .
قال حلمي بسخرية أكبر : طيب يعني مفيش علاقة بينك و بين المواضيع ، المفروض انك تسعى لتطوير قسم الواردات ، و ملكش أي علاقة بالتصميم و الانتاج .
قال أكرم في محاولة للتماسك : انا بقترح اللي في مصلحة المصنع يا افندم .
صاح حلمي في حدة و هو يهب من على مقعده : بقولك ايه الموضوع ده في اختصاصي أنا ، بلاش تتدخل فيه ، انت مش هتعرف مصلحة المصنع أكتر مننا .
قال أكرم و قد امتقع وجهه في شدة : بس أنا .
قاطعه المدير هذه المرة قائلاً : كفاية يا أكرم كفاية .
التفت إليه أكرم ، فتابع : انت تشيل الموضوع ده من دماغك دلوقتي خالص .
قال أكرم : لكن يا افندم .
قاطعه المدير مجدداً قائلاً في حزم : مع السلامة يا أكرم ، شرفتنا . مع السلامة.
أحس أكرم بوخزة في صدره ، عندما أدرك أكرم أنه لا جدوى من النقاش
شعر بأنه حلمه قد تلاشى ..
. و للابد ..
و خرج من باب المكتب و قد وصل مقدار ما يشعر به من يأس و إحباط و مرارة إلى الذروة
و عندما خرج من باب المكتب ، اخرج من جيبه ورقة مطوية ، تلك الورقة التي كانت تحوي قائمة المشتريات التي أبى أن يشتري منها شيئاً .
و لكن في ذلك اليوم ، قرر الذهاب إلى ذاك السوق مجدداً
لشراء كل ما في تلك القائمة
و سواء وجد ما يرغب به أم لا
فسوف يشتريها ..
.. كلها
.. و بلا أي استثناء
****************************************************************************
" الأكل جاهز يا أكرم "
اخترقت تلك الجملة أذنيه و بدت له كدوي ألف رصاصة في وسط حاجز الصمت الناتج عن الذكريات التي تفيض في رأسه .
أعادته تلك الجملة إلى عالم الواقع
فوقف على قدميه بصعوبة بالغة و توجه نحو باب الغرفة للخروج .
و في طريقه رأى تلك الاشياء التي كان قد اشتراها منذ قليل .
آلة حاسبة ، و ساعة يد ، و خلاط كهربائي ، و دمية .
و في أسى أخذ ينظر إلى تلك الاشياء ، و رأى تلك الجملة التي لم يكن يرغب برؤيتها قط ،
تلك الجملة التي بدت له الان و كأنما تتعمد إغاظته و التي كانت تستثيره كلما رآها
تلك الجملة التي غزت كل شيء نراه الان حتى كادت أن تغزو البشر أنفسهم و لذلك لم يتحمل رؤيتها طويلاً فخرج سريعاً للهرب من رؤيتها .
... تلك الجملة التي كان تتكون من ثلاث كلمات فحسب و لكن قصتها تُحكى في ثلاث مجلدات
.. تلك الجملة التي كانت :
" Made in China  "
********************************************************
تمت